عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
127
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية السابعة والتسعون : عن الشيخ أبى الربيع رضي اللّه عنه ) قال : كنا جماعة من الفقراء بمكة ، وكان فيهم رجال لهم سياحات وأحوال عهدوها من أنفسهم ، وكنت قد وقف منى بحثي عن نفسي ، على أنى لم أجد لي عملا صالحا ، ففكرت في نفسي ، هل لي حال أنتظره في المستقبل يرد على ، فوجدتنى فقيرا منه ، فقلت : من العجز انتظار ما لم يكن ، فتعلقت بفعل ما يلزمني في الوقت ، فوجدت أنه ليس عمل صالح أفضل من الطواف ، فكنت أكثر منه ، فكان بعضهم يقول لي : إلى متى تدور كحمار ساقية ، أفي كل هذا العمل أنت واجد قلبك ؟ قلت لا ، ولا أعرف لي قلبا أجده ، ولا أعرف لي مكانا فأطلبه ، ولكني سمعت قوله تعالى ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) فأنا أعمل على ظاهر من الأمر . ( الحكاية الثامنة والتسعون : عن الشيخ أبى يعقوب البصري ) روى عن الشيخ أبى يعقوب البصري رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : جعت مرة في الحرم عشرة أيام ، فوجدت ضعفا ، فجذبتنى نفسي أن أخرج إلى الوادي لعلى أجد شيئا أسكن به جوعى ، فخرجت فوجدت سلجمة مطروحة متغيرة ، فأخذتها فوجدت في قلبي منها وحشة ، وكأن قائلا يقول لي : جعت عشرة أيام ، فآخرتك يكون حظك سلجمة مطروحة متغيرة ، فرميت بها ودخلت المسجد ، فقعدت فإذا برجل جاء فجلس بين يدي ، ووضع قمطره ، وقال : هذه لك صرة فيها خمس مئة دينار ، فقلت له : كيف خصصتني بها ؟ فقال : اعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام ، فأشرفت السفينة على الغرق ، فنذر كل واحد منا نذرا : إن خلصنا اللّه تعالى أن يتصدق بشئ ، ونذرت أنا إن خلصني اللّه تعالى أن أتصدق بهذه الخمس مئة الدينار على أول من يقع عليه بصرى من المجاورين ، وأنت أول من لقيته ، فقلت : افتحها ، ففتحها فإذا فيها كعك سميذ مصرى ولوز مقشر وسكر كعاب ، فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا ، وقلت : رد الباقي إلى صبيانك هدية منى إليهم ، وقد قبلتها ، ثم قلت في نفسي : رزقك يا نفس سير إليك منذ عشرة أيام وأنت تطلبينه من الوادي ، وأنشدوا : لقد علمت وما الإسراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعيينى تطلبه * ولو قعدت أتاني لا يعيينى